التخطي إلى المحتوى الرئيسي

~حدّث أبو جهل قال...~ (1)

… وكيف دينكم الذي ترتؤُون؟ 
أليس فيكم أفّاك خؤون؟ 
ألم يعد بينكم من يسرق النوم من العيون؟ 
وكيف هي أمصارُكم؟ 
أما تزال " أُدخلوها آمنين" ؟
ألم يسفكْ أسلافكم بِعُـتْبَةَ  وَشَيْبَةَ وجند أبي سفيان..؟ 
ألم ندفعْ لكم الجزية من بيع الغلمان؟ 
وكنّا نعاقر خمرنا في البيوت… 
وفي المجالس مع مسيلمة والشيطان؟
وكنّا نستمع عزف القيان.. 
وأعلينَا هبل..!! 
وشربنا من القرب والقلال… 
أقداح المعتقة ،نبيذ العجوة والرطب 
وضاجعنَا النساء.. الثيبات منهنَّ، الثكالى
والأبكار.
وكنّا خير الأجْوار.. 
فعلام غـيّرتمُ المسار؟ 
كان حديثه إشارة حمراء..                                        حاز عن كل الكبرياء..

~غطرسة (2)~

ينشّ في برده خيّلاء… 
بشكيمةِ المتغطرس ،يطلق قهقهة كما رغاء البعير… 
يمسك بقبضة التاريخ… 
ويدلي بدلوه فيه، فيمرقُ من بين نسيج الكفن، كما يستخرج الماء من البئر.. 
كالمومياء ،بل أشدّ تحرُّرا
ينبش في  خفايا الحكايا، يفلح في التقصِّي
 وأخبار الزمن الغابر.. 
تتولد لديه كما الآن.. الحكايا
گأنه أدار عقارب السّاعة في عكس الإتجاه.. وگأنّما لا يعرف من الأرقام إلا الصّفر… 
تمرُّ الأيّام فرادى، غيمة كالحة.. 
أو بضعة أيام… تستعجل حتفها تطارد زوالها..                                  عاصفة رمليّة تحجب حِقْبَةً مهترئة.. 
كسديم يواري عورته من أشعّة شمس نزقة، 
كالمخبول يكتب على ظهر الحوت. 
انقطع الحبل!! "واعتصموا"، 
بيعت النوق و الجمال،
تصدّعت صفائح الأرض
نسفت الجبال نسفا ، 
الصحاري صارت مراكض للمهاري،
تتسابق الشاهقات، انخسفت آثار الكتاب...
تتربّع الغطرسة في منابر الرّيادة...

~ حكمة أبا جهل~ (3)

وعظ أبو جهل..
قال:
كانت غلماننا لنا متعة،
غَوانينا يملأن الدّيار حركة وخفة.. 
تراق من دنان النبيذ اللّذة.. 
لمْ نرَ في عشيرتنا تذمرا، ولا فرقة.. 
لمْ تخطُ أحلافنَا من دوننا خطوة.. 
كـنّا في متعة..  
لمَ أحزابكمْ الآن نقمة.. ؟؟
لمَ أشياعكم تعشق المحنة.. ؟؟
لم أنتم  في غلوِ فـتـنـة..؟
لمَ أصواتكم تنقُّ كما الضّفدعْ.. ؟؟
كانت تفوح من بردته، ريح بخور قربان.. 
يسدل على صدره تمثال هُبَلْ… 
يمسح على رأسه… فتخرج من دبره الكلمات.. 
يعلوه تبركا وتقديسًا 
يا هبلْ..!! يا هُبَلْ!! يا هبلْ..!! 
ألم يحن وقت الانقضاض؟؟
يشحذ سيفه.. فيسقيه سمّا زعافا.. 
دهانٌ اعتاده من قبل..! 
يزمجر: نحن نحتاج المسافة! 
نحن نلتزم بالوصاية والخلافة! 
أنتم أزلام الخرافة… 
حان وقت الانتفاضة… 
ثمّ يدخل قبره…

~ البوصلة ~(4)

بوصلة الزمن تغيِّرُ المسار.. 
المسارح صارت مباحة.. الراقصون.. الراقصات… الممثلون.. والممثلات… 
كلّ أخذ وضعه..! 
كلّ حفظ دوره..! 
كرنفال.. مهرجون.. ألعاب.. وأشياءَ أخرى
يحذقونَ التمثيل.. التعبير.. التنكيل.. 
يضعون أقنعة ، هدايا أبو جهل، 
وبعض المساحيق… 
يعتلون المنصّ، حان وقت العرض… 
الأنثى بالأنثى، الذكر بالذكر لا آخر بينها.. 
يكثر الصّخبُ، تعلوَ الأصوات، ينسون
الأوزار. 
تناسوا الأجوارْ، سقطوا في جبّ أبي
جهل.. 
رافقوه في القبر.. 
جنب الرفات.. دخلوا الآثار..
استرجع المؤشّر الممغنط اتجاهه.. 

~السّاعة الصفر ~(5)

إنتهت السّاعة الصفر… 
إنتهى العرض… 
قام غربال الزمن.. بالتصفية.. 
نخّل الطحين.. تساقط الدقيق.. 
صَفَّـقَ حوله الساقطون.. الساقطات.. 
وبقي في النّخالة العالقون.. 
جنب الركح:
يتمسح المتزلفُون..!! 
المختلفون..!! 
هناك في العتمة.. خلف الأضواء.. جمهور.. مخمور.. مصهور.. 
في سبات عميق!! 
ينتفض أبو جهل.. بعينين جاحظتين.. 
عين في الجنة وأخرى في السعير.. 
مدّ يده.. يدفع الكرى عن أعين الحاضرين.. فيها من( السحر)! . 
ألم يكن من سلالة سحرة فرعون؟ 
ألم يكن يعيش الغي والمجون؟ 
كيف له أن يتقصّى الخبر..؟ 
ألم يكن في قبره مدفونا؟ 
ينفخ من منخره كالغول، فتهب الجموع.. 
بين مخمور.. ويقضٍ ومجنون.. 
يهرولون.. يتدافعون ساق في الهاوية وأخرى.. في زُبْيَةِ أبي جهل والشياطين.. 
وتمرّ سبع عجاف..

~الإعمال في المجهول لبلوغ المعلوم ~(6)

تدنو وتتباعد الأفكار.. 
الإعمال في المجهول لبلوغ المعلوم.. 
باطل.. 
الباحثُ عن الاستبراء، كما الباحثُ
عن إبرة غُيِّبَتْ في كومة رمل، 
يـدور بـخيـالـه ،لا يفقه الوجه من القفا.. 
يقرنبعُ في مكانه.. 
غابت عنه حدوده.. جهل عنوانه.. 
لا يسمع غير الطّنين.. 
كثر الشحذ.. علَا صليل السكاكين.. 
تجمهرت.. تفرقت.. 
أوبة مشبوهة.. إجتماع مفخخ.. 
كلّ الأضداد.. كلّ الإحتمالات.. 
يعاد.. ويعاد نفس اللاشيء.. 
نفس الهراء.. 
تملى القرارات.. تفرز القوائم.. 
تخرّ العزائم، في انتظار المحاكمة.. 

~المحاكمة~(7)

اعتلى أبو جهل منصّة المحاكمة.. 
قرع الطاولة بإجلال وحكمة… 
ألقى التحيّة.. 
قرأ الوصيّة، 
-ليست لكم هوية.. 
تدانون، سيبيعون أمصاركمْ،اِعماركم.. 
لم يبق أمامكم فدّان ولا نخيل ولا سانية.. 
أُغلق المزاد..!! أُعلن الحداد..!! 
ترجّل  أبو جهل… 
تقشّر من كفنه.. 
رمى الأغلال والأصفاد في أرجل العباد.. 
ساقهم كما تساق العبيد.. 
بين الضحيّة والقاضي أمر مكيد.. 
هدّدوه بشعارات الوعيد.. 
الوعيد!! 
إنّه له لأحلى عيد.. 
هو عتيدٌ عنيد.. 
عربيد.. 
ساقوا نوقهمْ ، عادوا بخفّي حنين.. 
صارت أيّامهم خريف… 
يبست أشجارهم.. 
صار نخيلهم جريد.. 
غابت عنهم الحكمة، غاب فيهم الحكيم الرشيد… 
قهقه أبو جهل ساخرا… 
الحرب سجال… 
يوم لكم ويوم لنا.. 
أعلوا هـُبَلْ… ثم غاب بين الحشود..
ينتظر  أن يزهرفصل الرّبيع... 

شعر:
حاتم الإمام غضباني /تونس